Arabic Articles

print

الطريق التي ترى بالعين المجردة قلما تحتاج إلى خارطة 2009-04-24

كثيراً ما نسمع أن من مصلحة تركيا الاعتراف بالإبادة الأرمنية، لأن ذلك سيخفف من وطأة الماضي ويفتح آفاقاً جديدة أمام دولة تطمح للعب أدوار جديدة.

والأرمن، بطبيعة الحال، هم أول المستفيدين من أي جنوح تركي نحو الحق، لأن ذلك سيمنحهم فرصة إعادة دفن كريم لموتاهم وبث الطمأنينة والثقة في علاقات الجوار والتي لم تكن يوماً عنواناً تركياً.

ومن منطلق ترميم العلاقات، سعت أرمينيا إلى فتح قنوات الاتصال والتحاور مع تركيا ودعت إلى إقامة علاقات دبلوماسية كاملة دون شروط مسبقة، رغم أنها كانت الجهة المتضررة تاريخياً. ومع ذلك فإن اليد الممدودة لم تلق تجاوباً إلا مع التدخل الأمريكي والضغط الأوروبي.

وتتوارد الأخبار الآن عن وضع خارطة طريق لتطبيع العلاقات بين الطرفين. ونحن لا نريد أن نصفق بحرارة لما يحدث الآن. فلقد كان في التاريخ العثماني الحديث مواقف طرحت فيها شعارات طنانة وتعانقت الشعوب وظن الأرمن أنهم على مشارف عهد جديد يمحي الظلم السابق (مجازر صاصون)، ولكن ظنهم جوبه بردّ دموي أطاح بالسكان الآمنين في أضنة (1909)، وجاءت الردود التالية أكثر دموية، لا تزال تؤرق بال الضمير الإنساني.

من الطبيعي أن تسعى السياسة التركية إلى قطف ثمار الهيام الغربي، لاسيما الأمريكي، بالنموذج التركي باعتباره الأصلح إسلامياً، لاسيما بعد تأخر بروز أي نموذج إسلامي آخر قابل للتسويق هناك. وجاءت ظروف وأخطار إقليمية مثل أزمة جورجيا والمشكلة النووية الإيرانية والحرب في العراق ومسيرة السلام العربية الإسرائيلية، لتعزز من دور تركيا كمرتكز يمكن الاعتماد عليه للتأثير على مجرى الأحداث.

ولا يمكن لمثل هذا الدور أن يكتمل في الشرق الأوسط والقوقاز (حيث تتقاطع مصالح أطراف عديدة)، من دون إيجاد أجواء تصالح مع أرمينيا (أو الإيحاء بها)، ضمن خطوة محسوبة قد تُكسب تركيا بعض الوقت لالتقاط الأنفاس وتأخير الإقرار بالإبادة الأرمنية على نطاق أوسع، بزعم أن ذلك قد يعطل من جهود المصالحة.

وبمناسبة الحديث عن خارطة الطريق الأرمنية التركية، تخطر على البال خارطة أخرى لا تقل وعورة، خارطة الطريق الفلسطينية الإسرائيلية وهي مهددة للتحول إلى أداة لتكريس الأمر الواقع والتنصل من الالتزامات الدولية.

فالطريق التي ترى بالعين المجردة قلما تحتاج إلى خارطة.