Arabic Articles

print

لو عاش أردوغان قبل مائة عام 2009-02-04

يصادف هذا العام الذكرى المئوية لمذبحة أضنة التي راح ضحيتها في غضون عدة أسابيع ما يقارب 30 ألف مواطن عثماني أرمني دون تمييز في مدينة أضنة التركية التي تبعد حوالي 120 كيلومتراً عن الحدود السورية (وكانت جزءاً من ولاية حلب في الماضي).

ومعظم هؤلاء الضحايا لم تكن لديهم نزعات أو تطلعات سياسية وكانوا من السكان البسطاء العاديين الذين يصادفهم المرء في أي من المدن العربية أو في أية مدينة في العالم، وليس من السهل اتهامهم بالعمالة أو التخابر مع العدو، بل أن أغلبيتهم كان قد فقد لسانه الأرمني عبر التاريخ نتيجة لمنع التداول به.

وأضنة كغيرها من مدن الشرق والجنوب الشرق التركي تخفي تاريخاً قاتماً فيما يتعلق بالأرمن. ورغم عدم توفر القنوات الفضائية في مطلع القرن الماضي فقد تنبّه الكاتب والمفكر المصري مصطفى لطفي المنفلوطي (1876- 1924) إلى هول الكارثة التي أحاقت بسكان أضنة وأدرك أبعادها وأشد ما أحزنه هو عدم اكتراث المسلمين للواقعة، فجاء نداؤه "لا همجية في الإسلام" ليوقظ ضمير كل إنسان مسلم. ومما قاله معاتباً الجناة على فعلتهم النكراء: "من أي صخرة من الصخور، أو هضبة من الهضبات، نحتم هذه القلوب التي تنطوي عليها جوانحكم، والتي لا تروعها أنات الثكالى، ولا تحركها رنات الأيامى؟" (انظر "النظرات"، مؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي الكاملة، طبعة دار الجيل، 1984، بيروت).

لنفترض برهة أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان كان يمارس نشاطه السياسي قبل مائة عام ووردت إليه هذه الأخبار عن أضنة، فهل كان ليستشيط غضباً ويجاهر برفع إصبعه في وجه المعتدي؟ هل كان ليتحدث عن الضمير الإنساني الغائب ويتوعد بحكم التاريخ كما فعل في منتدى دافوس أمام بيريز؟ هل كان ليقول بأنه لا يمكن السكوت عمن صمتوا إزاء ما حدث في أضنة، فالمذابح التي تعرض لها أطفال أضنة ليست شأناً عثمانياً فقط إنما جرح عميق في ضمير الإنسانية جمعاء، وهي الكلمات نفسها التي استخدمها أثناء تعبيره عن مصاب غزة؟

أغلب الظن انه لن يقول شيئاً من هذا القبيل وأنه سينكفئ على نفسه محاولاً ابتكار تبريرات مناسبة. والدليل أنه بعد مائة عام على مذبحة أضنة وعندما حاول عدد من المثقفين الأتراك تقديم اعتذار للأرمن تحمل صفة شخصية وبصياغة تتجنب قصداً استعمال لفظة الإبادة، جاء رد فعل أردوغان بعيداً إلى أقصى الحدود عن العنفوان الذي أبداه حيال غزة، إذ تهكم من أولئك المثقفين قائلاً: ربما هؤلاء، هم الذين ارتبكوا تلك المجازر، لذا، يرون أنه من الضرورة أن يعتذروا عمّا فعلوا!

يبدو أن أردوغان رغم انتقاده الشديد للإسرائيليين وإهانته العلنية لرئيس دولتهم في منتدى دافوس وتذكيره لليهود في مناسبة سابقة بأنه يتحدث بصفة "حفيد العثمانيين"، ليس لديه القدر نفسه (أو حتى جزء) من العزيمة ورباطة الجأش وقوة الإحساس للتعامل مع حدث إنساني نفذت تفاصيله المروعة قبل مائة عام في الفناء الخلفي لبيته الزجاجي.

حبذا لو كان كنف أردوغان واسعاً وضميره يقظاً بما فيه الكفاية (والكلام طبعاً موجه إلى كل تركي لا يجد في داخله حرج بما حدث للأرمن)، كي نطوي صفحة الماضي معاً ونرفع ثقله عن كاهل الأحفاد.

إلى أن يحين ذلك اليوم المجيد يطيب لنا أن نسأل السيد أردوغان: هل كنت تفضل أن تكون سياسياً تركيا يوم حدوث مذبحة أضنة؟ والسؤال الآخر الأكثر مرارة (والموجه إلى القارئ المحايد): هل كنت تتمنى أن تكون مواطناً عثمانياً أرمنياً في أضنة يومها؟